حسن بن موسى القادري
199
شرح حكم الشيخ الأكبر
الصفات ، ويتحقق بها ظاهرا وباطنا في كلّ الأوقات فلا يتوارى عنه في هذا المقام مشهوده ، ولا يجوز عليه استتاره ، وسمّاها الشيخ رضي اللّه عنه : بالمفاتيح الأولى ، ثم مقام استكمال التحقق بالأسماء الذاتية والصفاتية والفعلية فيكسى بالهيبة ، ويتوّج بالعظمة ، فلو نظر إلى الجبل بالقهر ، وإلى البحر بالهيبة لتدكك الجبل من قهره ، ويبس البحر لهيبته ، ومن هنا قيل : همة الرجال تقطع الجبال . وقال الشيخ قدّس سرّه : ( في رأس نار تطلع على الأفئدة ) ، ثم مقام طلوع الفجر ، وظهور شمس الكمال على الجوارح ، والقوى الظاهرة أي : على بدنه ، كما هو على روحه ، فيستوي الظاهر والباطن ، فيميز البدن روحا وقلبا وعقلا ، وبعد هذا المقام إمّا القول : بالعجز والسكوت ، فالمتميز ساكت ، وغيره عاجز . ثم قال : ( آثاره مشهودة ) أي : آثار الكامل ظاهرة كإحياء الموتى ، وإماتة الأحياء ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وإخبار الناس بأسمائهم وأفعالهم ، وما يأكلون ، وما يدخرون ، كما وقع لعيسى عليه السلام ، ولسلطان الأولياء السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني ، وغيرهم من الكمّل ، ثم قال : ( وكلماته محدودة ) أي : مجد الشريعة ، فلا يخرج بالحكم عن الحكمة ، بل يعطي كلّ ذي حقا حقه ، ثم قال : ( آياته بالنظر مقصودة ) أي : يتجلى بما شاء فيما يشاء فيظهر ويبطن ، ثم قال تحقيقا لهذا : ( أعطى مقاليد البيان ) أي : الظهور ، ( فأفصح ) أي : أظهر معاني ما أرادته ذاته ، ثم قال : ( فمنه نثر ) أي : تجليات ذاتية غير متعددة ، ولكلّ تجلي اسم واحد ، ( ومنه نظم ) أي : تجليات صفاتية تحت كلّ تجلي أسماء متعددة متغايرة نحو تجلي القدرة ، فإنه جامع لجميع الأسماء الأفعاليّة ، وكذا كل ماله الهيمنة على ما تحتها كالإرادة والعلم والجلال والجمال والكمال وغير ذلك ، ( ومنه أمر ) أي : بتكوين وغيره من أوامر اللّه تعالى ، ( ومنه حكم ) أي : نافذ غير متغير في العالم ، ثم قال : ( إذا أسهب ذهب ) أي : إذ تمادى نظره على حقائق الصفات التي لا نهاية لها ذهب عن حكم الكون فلا يسمّى خلقا حقا ، وليس من العالم ولا فيه لذهابه عنه وعمّا فيه بالكلية ، وأصل ( الإسهاب ) الإطالة والإطناب في الحديث ، ثم قال : ( إذا أوجز أعجز ) أي : إذا اختصر لذاته أعجز غيره عن دركه ، أو أظهر كل أمر معجز ، ثم قال : ( فصيح المقال كثير القيل والقال ) أي : ظاهر تكوينه بالكلمة ، لأنه أمر بأمر اللّه .